الغزالي

137

إحياء علوم الدين

وكان يقول : إن الفقير ليمرّ بي وأنا أصلي فأدعه يجوز ، ويمر بي واحد من أبناء الدنيا وعليه هذه البزة فأمقته ولا أدعه يجوز . وقال بعضهم : قوّمت ثوبي سفيان ونعليه بدرهم وأربعة دوانق . وقال ابن شبرمة : خير ثيابي ما خدمني ، وشرها ما خدمته . وقال بعض السلف : البس من الثياب ما يخلطك بالسوقة ، ولا تلبس منها ما يشهرك فينظر إليك . وقال أبو سليمان الداراني ، الثياب ثلاثة : ثوب لله وهو ما يستر العورة ، وثوب للنفس وهو ما يطلب لينه ، وثوب للناس وهو ما يطلب جوهره وحسنه وقال بعضهم : من رق ثوبه رق دينه . وكان جمهور العلماء من التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين إلى الثلاثين درهما . وكان الخواص لا يلبس أكثر من قطعتين قميص ومئزر تحته وربما يعطف ذيل قميصه على رأسه . وقال بعض السلف : أول النسك الزي . وفي الخبر . البذاذة من الإيمان . وفي الخبر . من ترك ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعا لله تعالى ، وابتغاء لوجهه كان حقا على الله أن يدخر له من عبقري الجنة في تخات الياقوت وأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه . قل لأوليائي لا يلبسوا ملابس أعدائي ، ولا يدخلوا مداخل أعدائي ، فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي . ونظر رافع بن خديج إلى بشر بن مروان على منبر الكوفة وهو يعظ ، فقال . انظروا إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب الفساق . وكان عليه ثياب رقاق . وجاء عبد الله بن عامر بن ربيعة إلى أبي ذر في بزته ، فجعل يتكلم في الزهد ، فوضع أبو ذر راحته على فيه ، وجعل يضرط به . فغضب ابن عامر ، فشكاه إلى عمر . فقال أنت صنعت بنفسك . تتكلم في الزهد بين يديه بهذه البزة ! وقال علي كرم الله وجهه . إن الله تعالى أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ، ليقتدى بهم الغني ، ولا يزرى بالفقير فقره . ولما عوتب في خشونة لباسه قال : هو أقرب إلى التواضع ، وأجدر أن يقتدى به المسلم [ 1 ] ونهى صلى الله عليه وسلم عن التنعم وقال « ان لله تعالى عبادا ليسوا بالمتنعمين »